dimanche 3 février 2013

نزار يعرب المرزوقي :علل العجز في تأليف الحكومة



أن يظل تحوير الحكومة سبعة أشهر كاملة خاضعا للوعد والوعيد بين القوى السياسية المشاركة في الحكم أولا وبين القوى المشاركة في المعارضة ثانيا ثم بينهما كلتيهما ليس من الأمور المعتادة في سياسة الدول ذات النخب المدركة لمسؤولياتها وخاصة في ظرف أشبه ما يكون بظرف الحرب الأهلية المترددة بين الحرارة والبرودة. فالتردد في مثل هذه الحالات يجعل عمل الحكومة دون عمل تسيير الأعمال من حيث مستوى الفاعلية الانجازية. ذلك أن تسيير الأعمال يكون متحررا من الوعد والوعيد في حين أن حكومة لا يدري أعضاؤها ما ينتظرهم تكون محكومة بأكبر عوائق الفعل الناجز أعني بقانون الانتظار الدائم للمجهول.

ولما كان الأمر لا يكفي فيه تفسير ما يحدث بعوائق نابعة من شخصية رئيس الحكومة أو من شخصية رئيس الحركة أو عن الصراع بينهما فضلا عما ينبع من شخصية الرئيسين الآخرين وخياراتهما- رغم عدم نفي ما لهذه الوجوه من تأثير كبير لعله من أهم أعراض الساحة السياسية التونسية الحالية-فإن البحث في العلل العميقة يصبح أمرا أكيدا خاصة بالنسبة إلى من شرط تعاونه مع الحركة بالثبات على حرية الموقف والنقد ووعد مثلي بأنه لن يتردد في الإعلان الصريح عن موقفه قبل أن يغادر المسار السياسي ليعود إلى عمله السابق وهو مطمئن البال إلى مجال فعله غير المباشر هو الوحيد الذي يمكن أن يكون سهمه في تحقيق أهداف الثورة.

لذلك وقبل أن أطلب إعفائي من المشاركة في المسار السياسي الحالي أريد أن أوضح رأيي في ما يجري فأصدع به بعد أن تأكدت أن إيصاله مباشرة لأصحاب القرار لم يعد كافيا. وسأعرض رأيي في شكل تساؤل عن علل مثل هذا الشلل في الوضع السياسي التونسي شلل الحكم والمعارضة المؤلفين من قوى سياسية ليست في أغلبها أحزابا بل هي بالأحرى تجمعات التقى أفرادها على عجل بعد الثورة سعيا منهم لغزو سدة الحكم الظاهر بتحالف مضمر عند أغلبها مع محركي سدة الحكم الباطن التي لا تزال مؤثرة في التلاعب بمحددات الفاعلية السياسية أعني بالأمن والعدل من حيث صورة الدولة وبالاقتصاد والثقافة من حيث مادتها.

أقصر رأيي على الحاكمين عامة والنهضة خاصة. فليس من غرضي الآن الكلام في المعارضة التي هي بدورها ليست في أحسن حال من الثالوث الحاكم. ولعل أفضل مثال هو ما نراه في المجموعتين اللتين انفصلتا عن الحزبين المشاركين في الحكم: فهما مجموعتان من الجنرالات التي لا يمكن أن تميز فيهما بين قيادات وجمهور لذلك فترضيتهما للمشاركة في الحكم مستحيلة. ونفس الأمر يقال عن حزب السبسي وعن المجموعة الشعبية: نفير بدون عير. ولو لم يحل التجمع لما وجدت هذه الأحزاب أو لبقيت نوادي كما كانت كما أن النهضة لو تخلت عن المعركة الزائفة مع السبسي الذي يحاول استرداد تركة التجمع منهم لأصبحت المعركة بين هذه القيادات جميعها والسبسي مشهدا بين ديكة طامحة لرئاسة الجمهورية ولعادت المعادلة إلى حديها البسيطين:

1-حزب الأصالة السوية التي أدرك أصحابها الحاجة إلى المصالحة مع قيم الحداثة أي الثعالبية المحدثة.
2-وحزب الحداثة السوية التي أدرك أصحابها الحاجة إلى المصالحة مع قيم الإسلام أي البورقيبة المحدثة.

كما أني لن أتكلم على سدة الحكم الباطنة لأني لست على علم بها ولأني لا أريد أن أبني على معلومات غير موثقة أو غير متصلة بما خبرته خلال هذه السنة من المشاركة في الحكم ولو عن بعد بسبب كوني مستشارا قلما استشرت في ما كلفت به. سأقصر كلامي على سدة الحكم الظاهرة. ولعل ما تتصف به من ضعف وتردد هو علة تغول السدة الباطنة وخاصة بعد أن بردت جذوة الثورة وبصورة أخص بعد ما شاب محاولات إحيائها التي لا تتجاوز المناورة الداخلية للأحزاب أعني الأخطاء التي تكاد تأتي على كل فاعلية يمكن أن تستمد منها.

فالناظر في مجريات أحداث السدة الظاهرة يبدر إلى ذهنه وفي المقام الأول حال الثالوث الحاكم الذي أصيبت أشباه أحزابه الثلاثة بالانقسام الحاد حتى وإن لم تظهر التشققات إلا في الحزبين الأضعف. وهي أشباه أحزاب مثلها مثل الأحزاب التي تتألف منها المعارضة لأنها عديمة المضمون السياسي المحدد: والقصد أن العامل الشخصي مسيطر عليها سيطرة تكاد تجعل دور العمل المؤسسي فيها لا يكون إلا عملا شكليا لا يمكن البناء عليه لفهم مجريات الأحداث السياسية فيها. ولا يغرنك ما يبدو من ديموقراطية فيها: فما فيها ليس ديموقراطية بل هو فوضى الصراع الناتج عن عدم تحديد المهام بين المؤسسات.

ذلك أن العودة الدائمة إلى المستويات الأدنى من المؤسسات (مثال ذلك مجلس الشورى في النهضة) يعني أن المؤسسات الأعلى (مثال ذلك المكتب التنفيذي فيها) ليس لها القدرة على الحسم لما بين أفرادها من عدم الانسجام أو لغياب الرؤية الواضحة للسياسات المتبعة أو لعدم وجود القيادات المسموعة. فهذا الانقسام الذي صار علنيا في الحزبين الحليفين للنهضة له ما يناظره فيها وإن ظل خفيا لأنه لم يعلن بعد وهو آت لا ريب فيه وقد يحصل حتى قبل المؤتمر الموعود في سنة 2014.

والانقسام في الثالوث الحاكم يبدو في ظاهره معلولا بالخلاف حول الخيارات السياسية لكنه في حقيقته من مخلفات المعركة التي دارت حول اقتسام النفوذ في الدستور الصغير وحول اقتسام الحقائب خلال تكوين الحكومة الأولى بعد الانتخابات. لذلك فالتعليل بالخيارات لاحق وهو تبرير بالمزايدات أكثر منه تعليل بالمواقف المبدئية. وأكبر الأدلة أن حزب المؤتمر انقلبت استراتيجيته مائة وثمانين درجة فأصبح رئيسه يدعو إلى التوافق بعد أن كان منطقه ومعه قيادات الحزب الحالية من جنس منطق من انشق عنه. وحزب التكتل انقلبت استراتيجيته مائة وثمانين درجة كذلك فأصبح قائده يدعو إلى التوافق حول الدستور بعد أن كان يشرط مشاركته في الثالوث بحصرها في الحكم لا في الدستور:

وأول الانقسامات ظهورا بدأ في حزب المؤتمر. فهذا الحزب خليط لا يقبل التعريف الدقيق بنسب سياسي محدد. وهو عديم الجمهور قبل الثورة ومن ثم فجمهوره من تركة التجمع حتما. وهو حزب لم يبق منتسبا إليه من القيادات إلا من فضلهم رئيسه عند اختيار ممثليه في الحكومة أعني أولئك الذين يعتقد أنهم أقرب إلى تدعيم موقفه في الحلف مع النهضة من أجل الحصول على كرسي الرئاسة. وحتى هؤلاء فإنهم مرشحون لانقسام لأن تطعيم قيادات الحزب بالمستشارين لا يمكن أن يرضي المؤسسين من القيادات ومن ثم فبذرة الانقسام زرعت مرة أخرى.

وثاني الانقسامات ظهورا تلاه في حزب التكتل. وهذا الحزب كذلك خليط لا يقبل التعريف الدقيق بنسب سياسي محدد. وهو عديم الجمهور قبل الثورة ومن ثم فجمهوره من تركة التجمع كذلك. وهو حزب لم يبق منتسبا إليه من القيادات إلا من فضلهم الرئيس ليس للإدراج في الحكومة فحسب بل للاستعداد للانتخابات المقبلة مع التوجه خاصة إلى الدعم المنتظر من حليف خارجي مع تهميش مؤسسي الحزب وقدمائه.

وثالث الانقسامات الذي لم يحصل بعد بالفعل حاصل بالقوة في النهضة. وهو الحزب الوحيد الذي له جمهور حقيقي حتى وإن تدعم بما ورثه من التجمع كذلك. وهو مثل الحالتين السابقتين متعلق بسهم بعض الأفراد والتيارات في الحكم ولا علاقة له بمستقبل الحركة ولا بمستقبل تونس ولا خاصة بمستقبل المشروع الإسلامي لأننا لم نر معركة أفكار ولا معركة مشروعات بل هي بالأحرى ذات صلة بماضي الحركة. إنه صراع يتعلق خاصة باستراتيجية البقاء في الحكم بعد الترضيات التي أسكتت خلافات المشاركة فيه خلال تأليف الحكومة الأولى. وكان يمكن للمرء أن يفهم هذه الصراعات لو كانت الحكومة ليست مؤقتة وليست لمرحلة انتقالية. لكنها بلغت درجة جعلت الكثير يتساءلون عما تخفيه من احتماء أصحابها بالكراسي: فالتشبث بها رغم الفشل الذريع في ما أنيط بعهدتهم من مسؤولية لا يمكن أن يفهم بغير الخوف من شيء خفي لعل الأيام تكشف عنه لاحقا.

وفي الجملة فإن الخلافات في حركة النهضة ليست متعلقة بخيارات أساسية من جنس شروط النجاح في الاختبار الأساسي ذي المستويين التاليين اللذين نبهت إليهما في الكثير من المناسبات سواء في إطار الكلام مع رئيس الحكومة أو مع رئيس الحركة أو حتى في الكتلة بمناسبة حوارها مع رئيس الحكومة عندما أرادوا تحميله مسؤولية الوضع دون أن يدركوا أهمية التمييز بين مستويي هذا الاختبار التي يمثل التحدي الأساسي أمام الإسلام السياسي في الربيع العربي:

المستوى الأول: كيف يمكن للحركة خاصة أن تعمل باستراتيجية تحرر الساحة من الصراع الزائف بين التصورين المدني والديني لمؤسسات الدولة خلال عمليتي الانتقال الديموقراطي وبناء الجمهورية الثانية:
1-كتابة الدستور المدني بحق أعني الكتابة المتحررة من الخلط بين ديناميتين ذاتي الإيقاع المختلف: دينامية آليات الحكم السياسية ودينامية غايات القيم المجتمعية
2-تكوين المؤسسات التي تضمن تحقيق الانتقال أعني الانتخابات والإعلام والعدالة الانتقالية بالمعايير الدولية ذات المرجعية الحديثة.

المستوى الثاني: ومن ثم كيف يمكن للحركة عامة أن تثبت أن الإسلام السياسي يمكن أن يكون ديموقراطيا فتقدم العلاج السياسي الذريعي في بناء الدولة وتترك الخلافات العقدية والإيديولوجية للدينامية الاجتماعية الثقافية ذات الإيقاع المختلف عن الإيقاع السياسي. وكان الشرط هو الفصل بين الحزب والحركة الفصل الذي اقترحته على القيادات قبل المؤتمر فكان صيحة في واد. ومعنى ذلك أن السعي إلى غزو مؤسسات الدولة لإفقادها طابعها المدني والمحايد هو الخطر الأول والأخير الذي يهدد التجربة.


إن مشكل المشاكل هو عدم انتباه قيادات الحركة إلى هذين الشرطين في نجاح ما فرض عليها من تجربة أمام أهل القرار في المعادلة الدولية. لم يستنتجوا ما ينبغي استنتاجه من هذا التحدي المتعلق بالموقف من الإسلام السياسي وبعلاقته بشروط تحقيق مطالب الثورة المباشرة تحقيقا يمكن الحصول على تأييد الرأي العام المحلي بصورة تجعل النجاح في المرحلة الانتقالية طريقا سالكة للنجاح في الانتخابات المقبلة ومن ثم جعل الإسلام السياسي مقبولا دوليا بحكم تحقيقه المصالحة بينه وبين الديموقراطية والدولة المدنية. لذلك فإني أكاد أجزم بأن التجربة تتجه نحو الفشل لما ترتب على هذا المنطق القاصر على فهم أسس الشرعية التي تنبني عليها الأحزاب ذات المشروعات بعيده المدى:
1-فانتخاب القيادات لا يحكمه منطق الكفاءة بل يحكمه منطق الولاءات وصراع الأجنحة التي هي بالأساس بنت مخلفات الماضي أكثر مما هي بنت استراتيجية المستقبل.
2-لذلك كان توسيع القاعدة السياسية للحزب وتجديد القيادات شبه مستحيل بحكم التوزيع الداخلي للمهام السياسية
3-ولما كانت هذه المهام هزيلة بمقتضى فهمهم للسياسي فهما يقصره على معناه المبتسر في إدارة الحكم المباشرة
4-آل ذلك إلى ما نشهده من ضمور مطلق للبعد الفكري والثقافي في أفعال الحكومة والحركة
5-وكل ذلك علته انعدام الخيال التنموي والتبعية شبه المطلقة للآني والعجلة في السعي للسيطرة على أدوات الحكم المباشرة بدلا من العمل بعيد المدى في بناء أسس الشرعية التي هي ثقافية وتربوية قبل أن تكون اقتصادية وحكمية.

الحصيلة

إن الأحزاب الحاكمة الثلاثة لا تحكم استراتيجيتها الشروط الضرورية لتحقيق أهداف الثورة بل إشكالية الزعامة فيها جميعا لأن أهداف الثورة لم تعد المحرك الحقيقي للفاعلية السياسية في الحكم وفي المعارضة على حد سواء بل هي تحولت إلى مجرد شعار يوظف في خدمة غرض واحد هو معركة الزعامة واقتسام السلطة في الحكم لا غير. لكن مشكل المشاكل يكمن في عدم توفق الحكومة إلى استراتيجية تمكن من الجمع الناجح بين مجالي فعل يصعب الجمع بينهما خاصة إذا كانت القيادة فاقدة لخصال القيادة الحازمة في إدارة شأن الحكم والحسم في شروط النجاح فيهما وفي شرط الجمع الناجح بين المعركتين من خلال وصلهما وصلا يستند إلى ما بين الإنجاز فيهما من علاقة تجعل التقدم في إحداهما شرطا في الأخرى وخاصة بالنسبة إلى منظور العالم الغربي في تقويم سياسة حزب ذي مرجعية إسلامية:
معركة الانتقال الديموقراطي
معركة الاستجابة لمطالب الثورة.
ذلك أن نجاح هذا الحزب ذي المرجعية الإسلامية في الانتقال الديموقراطي يمكن أن يقلب الأحكام المسبقة ضده بسبب الموقف من مرجعيته أن يقلبها إلى صالحه لأنه يكون بذلك يوطد ما بدأ يصبح مقبولا لدى أهل القرار في الغرب من إمكانية تحقيق المصالحة بين الإسلام والديموقراطية. والنجاح عندئذ يرجع الثقة فيمكن من تحقيق السلام الاجتماعية شرطا في توفير التمويل الكافي للاستثمار الممكن من الاستجابة لمطالب الثورة أعني مسألتي البطالة والجهات المحرومة علتي الثورة المباشرتين.

والحصيلة هي أن كل المعارك الزائفة التي خاضتها الحكومة علتها أن الحركة لم تكن على بينة من طبيعة التحدي الخارجي والداخلي ولم تختر المنهجية التي تمكنها من تحقيق هذه الشروط: فهي قد تصرفت بصورة جعلتها تخطئ في اختيار الحلفاء والتمييز بين الأصدقاء والأعداء ظنا من قادتها أن تونس يمكن أن تحكم بغير الشرط الضروري والكافي أعني تحقيق الصلح بين عاملي تاريخها السياسي الحديث كله أعني بين وجهي حزب حركة التحرير من بداية القرن العشرين:
القديم أو الثعالبية التي أدرك محييوها ضرورة الصلح مع قيم الحداثة
والحديث أو البورقيبية التي أدرك مواصلوها ضرورة الصلح مع قيم الإسلام
فآل الأمر إلى انفراط عقد الحليفين اللذين لا يمكن أن يعتبرا حزبين بل هما ناديان يجمعان بين قلة من النخب المترددة بين الولاءات لهاتين القوتين اللتين تمثلان آثار الفصام الحاصل من الصدام الحضاري بين الأصالة والحداثة الفصام الذي لا بد من علاجه لتحقيق 
السلم المدنية. ومن دون ذلك ستفشل الثورة العربية في تونس ومصر.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire