vendredi 1 avril 2011

.............يوم الارض

يوم الأرض عربياُ

تحية لأرواح الشهداء كل الشهداء والمناضلين الذين يقارعون الأعداء فمنهم من قضى شهيداً ومن هم من ينتظر مناضلاً مجاهداً وما بدلوا تبدلوا.
يوم الأرض بداء فلسطينياً بامتياز، وكان نقطة تحول للكفاح العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948 فسقط رهان الغازي على أنهم تتطبعوا، وازدادت حماقة من كان يدفع من العرب باتجاه مقاطعتهم كونهم لأمور حياتيه يومية يحملون هوية الكيان.
يوم الأرض في عامه الجديد عام الثورات العربية عام الانقسام الفلسطيني عام انتصار المقاومة العراقية عام الفرقة والعمالة عام ثالوث العداء للأمة.
تأتي ذكرى هذا العام ونحن بأمس الحاجة إلى الضمير القومي لفهم حقيقية الأمور، وحقيقية ما يجري
وتكون خطوتنا القادمة باتجاه وحدة الأمة في ظل الانقسام والتدخل وبرمجة الانقسام بين دول استعمارية لها مخطط خاص بها.
ليبيا في ظل انقسام واحتلال واليمن على مشارف حرب أهلية، وصدام سياسي في مصر لا يعرف أحد نتائجه والى ما ستؤول إليه الأمور ، وتأمر عربي رسمي على الأمة كل الأمة .
لإيران مطامع كما هي أمريكا ، والبوصلة تضيع في الأردن وهي الفرصة التاريخية للحوار الوطني الشامل ، الاحتلال الأمريكي سينسحب من العراق وستكون الأردن منطقة نفوذه للتحريك والمراقبة والمراهنة هنا على المقاومة ودورها في السيطرة على مقاليد الحكم وطرد الفارسي وبقوة العراق سيتوجب وبالضرورة خروج المحتل الأمريكي من الأردن مع أن وجوده سيكون دعما لوجستي لفرق وميلشيات تزعزع أمن العراق كما تفعل الآن .
إيران بمشروعها التوسعي تبحث عن مناطق نفوذ وسيطرة وخاصة في الأردن فهي ستكون القاعدة الأولى أمريكياً والهدف هو أوراق ضغط جديدة يستفاد منها، و لا يوجد احد في الأردن ضد الإصلاح و التغير نحو الأفضل ، ولكن لنحمي الأردن ونحافظ على المقاومة العراقية ، الحوار اليوم بضمانات واضحة لا لبس فيها فلتكون هي المخرج من الأزمة وتكون المدخل للإصلاح والتغير الحقيقي و الحفاظ على المقاومة يعني بالضرورة بعد تمكنها من السيطرة على زمام الأمور سيخرج الأمريكي صاغراً من الأردن.
الثورة لم تكون اندفاع يأس لتغير المجتمع، بل هي برنامج إصلاح وتغير وفهم حقيقي لم يجري وفي كثير من الأحيان تكون الثورة على طاولة الحوار.
الأردن ليس جزيرة وحيدة وسط الصحراء بل هو جزء من أمته العربية هو جزء من المعادلة الإقليمية
وكان ولا يزال تاريخيا يرتبط سياسيا واقتصاديا ودفاعيا بالعراق وفلسطين .
أن نتأنى ونعيد حساباتنا أفضل بكثير من الفوضى التي قد تغير لكنها لن تصلح الأمور، الأردن كان ولا يزال مختلف عن غيره لا لأنه اضعف بل لأنه الأقوى في إسناد الأشقاء.
رحم الله شهداء امتنا ، وكل عام والأرض وساكنيها الاصلاء بتقدم وازدهار

mercredi 23 mars 2011

النص، الوعي، الواقع: نحو نظريةٍ مقاصديةٍ تأويليةٍ:

النص، الوعي، الواقع: نحو نظريةٍ مقاصديةٍ تأويليةٍ: محمد جمال باروت*

في كتابه "عيال الله: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين" يحلُّ المفكر الإسلامي محمد الطالبي إحدى أبرز إشكاليات العلاقة ما بين النص المقدّس ممثلاً هنا بالنصّ القرآني وبين المصلحة والواقع، حين يقول: "النصّ مقدّسٌ والتأويل حر"(1). يمكن إدراج هذا الفهم لإشكالية العلاقة ما بين التأويل والنص في فضاء نظريةٍ هيرمينوتيكية (تأويلية) للنص تتخطى حدود النظرية الفقهية البيانية كما تبلورت في التاريخ الفكروي الإسلامي، فالعلاقة مابين التأويل (الحر) وبين النص (المقدّس) تنبني هنا على ما يمكن تسميته بلغة رولان بارت بـ "ذاتيةً النصّ" أو"ذاتيّته النصيّة".
تميّز هذه الذاتيّة النصيّة كل النصوص "العليا" إذا ما جاز التعبير وفي مقدمتها النصوص المقدّسة، وهو ما يفسّر ارتباط النظرية الهيرمونيتكية (التأويلية) تاريخياً بـ "تفسير النصوص المقدّسة". والمقصود هنا بالتفسير ليس المعنى الفقهي الكلاسيكي الذي يتبادر إلى الذهن والذي يقابل "التأويل" في ثنائيات الوعي القار بالنصّ القرآني بـ "المتشابه" و"المحكَم" أوبـ"الظاهر" و"الباطن" في النص القرآني، بقدر ما هو عمليةٌ أو صيرروةٌ قرائيةٌ تمضي من ظاهر النص إلى ما يجاوزه. ولقد رسّخت السنيّة الإسلامية في التاريخ الفكري الإسلامي مفهوماً "ظاهرياً" للنص يختزله إلى مستواه التركيبي وليس التحويلي والتوليدي الذي لا يمكن أن يظهر إلا في عملية القراءة التأويلية بقدر ما أنّ "المتشابه" القرآني قد أفسح المجال أمام طلاقة القراءة الهيرمونيتكية (التأويلية) التي تمّت بواسطة الوعي العِرفاني الأفلوطيني المحدَث، وشكّلت الإطار المعرفي لنشوء الكثرة الكاثرة من الفرق الإسلامية في التاريخ الإسلامي، إذ تكوّنت هذه الفرق جميعها في الفضاء الفسيح الذي يتيحه تأويل النص القرآني بحكم ثراء ذاتيّته النصيّة.
لقد عبّر ذلك عن خصوبة الهيرمونيتيكا الإسلامية نفسها بقدر ما عبّر عن عمق الاحتمالية القرائية لها في عملية التأويل. ولقد كان من شأن ذلك أن يفضي إلى احتمال ثورةٍ لاهوتيةٍ إسلاميةٍ آلت بدورها إلى مدوناتٍ مؤسسيةٍ وطرائقية وطقسيةٍ مغلقةٍ أو ساكنةٍ، غير أن الصراع القرائي على النص وإنْ كانت مفاعيله أو بكلامٍ أوضح وظائفه سياسيةً- اجتماعيةً تتصل بإشكاليات السلطة والقوة، كشف عن مدى إمكانية ممارسة النص القرآني وجعله في صيرورةٍ إنتاجيةٍ مستمرةٍ تتخطى حدود الفهم الفقهي لظاهره، وهومايسميه بعض منظّري نظرية التلقي الحديثة بـ "صيرورة القراءة"(2). لكنّ نظريةً تأويليةً للنص القرآني تتجاوز ثنائية الفقهي الظاهري البياني للمحكم/ العرفاني الباطني للمتشابه ما تزال غائبةً وإن كانت هناك بعض الجهود الثمينة التي تعمل في هذا الاتجاه مستفيدةً من استثمار الفتوحات المنهجية الحديثة ما بعد البنيوية في تخطي المفهوم السكوني البنيوي للنص إلى المفهوم الديناميكي الحرَكي. ويمكن تكثيف هذه الجهود من زاوية علاقتها بقرائية النص القرآني أو بذاتيته النصية وفق مصطلح رولان بارت بأن النص القرآني(وينطبق ذلك عموماً على النصوص المقدّسة كلّها التي تتميز طبيعتها بشعريةٍ عليا على حدّ تعبير جون كوهن في كتابه عن الشعريةّ) كلام يصدر عن ذاتيته النصية التي تجعل منه في علاقة المرسل الإلهي- المتلقي البشري دائم الإنتاج لأنه مستحثُّ بشدةٍ، ودائم التخلّق لأنه هو في شأنٍ ظهوراً وبياناً، ومستمرٌ في الصيرورة لأنه متحرك، وقابلٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، لأن فاعليته متولّدةٌ من ذاتيته النصيّة"(3). ووفق هذه المنطلقات يغدو النص في النظرية التأويلية الممكنة بمثابة اللغة عند دوسوسور مقابل الكلام الذي يقوم به الإنجاز اللغوي التأويلي أو القرائي التفاعلي، أو بمثابة الكفاية مقابل الإنجاز بمصطلحات تشومسكي في نظريته الوصفية والتحويلية للنحو. ويفتح هذا التمييز الباب أمام القول بالقراءة كعمليةٍ تحويليةٍ للنص المقروء الذي يقوم هنا على نوعٍ من الاقتصاد العلاميّ، فهولا يدرج على سطحه إلا ما يعتبره ضرورياً لاتسّاقه الخطي، ولذلك فهو يتميّز بنوعٍ من الديناميةّ التواصلية مع القارئ بحيث ينتظر من هذا الأخير المبادرة التأويلية الملائمة، ويسعى هو نفسه إلى استقطاب القارئ ودعوته على الانخراط في عام النص عبر طرائق خطابية وقولية وبلاغية تساعد القارىء في تحيين البنيات وتأويلها(4).
2
لقد حدث في تاريخنا الفكري الإسلامي أن تغلّب الفقهي على الهيرمونيتكي اللاهوتي أو التأويلي بالمعنى المحايث للنصوص المقدّسة، بل وقام نوع صلبٌ من الثنائية ما بينه وبين الفهم التأويلي.كان علم أصول الفقه يمثّل هنا أحد أهم إنتاجات الحضارة الإسلامية على المستوى العلومي أو الإبيستمولوجي من زاوية أنه يحكم بقواعده طريقة إنتاج الأحكام التفصيلية. وهذه الأحكام بنيت على علم أصولٍ لها هوعلم أصول الفقه، وهو ما ميّزها عن القانون في الحضارات الأخرى ما قبل الحضارة الحديثة. ويترتب بموجب علم أصول الفقه على كل قاعدةٍ أصوليةٍ، فقهٌ أو حكم شرعي عملي بقدر ما يعني في طريقةٍ معاكسةٍ استنباط الأصول أو القواعد الإبيستمولوجية من الأحكام الفرعية، نظير استنباط الأصوليين الحنَفيين قواعدهم الأصولية من أحكام الإمام أبي حنيفة النعمان الذي لم يقم بتصنيف أصوله وتقعيدها على غرار ما قام به الإمام الشافعي.
إن علم أصول الفقه يُعنى بموجب ذلك بإنتاج الأحكام الشرعية العملية دون غيرها من أحكام اعتقادية، ومن ثم فإن مجاله غير المجال الاعتقادي الكلامي اللصيق بالمجال التأويلي. فهذا هو أبو حامد الغزالي يقول في"المستصفَى" إنّ الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلّفين خاصةً، حتى لا يطلق اسم الفقيه على متكلّمٍ وفلسفيٍ ونحويٍ ومحدّث ومفسّرٍ، بل يختص بالعلماء بالأحكام الشرعية الثابتة للأفعال الإنسانية كالوجوب والحظر والإباحة والندب والكرَاهة، وكون العقد صحيحاً وفاسداً وكون العبادة قضاءً أداءً وأمثاله(5).
لقد أدّى جمود علم الفقه طرداً مع "إغلاق" باب الاجتهاد، وازدياد الاتباعيّة في الفكر الإسلامي إلى أن يتوسط الإنتاج الفقهي بين المسلم وبين النص، بحيث غدت الشريعة أقوال الفقهاء وأقوال الفقهاء هي الشريعة(6). ولم يكن ذلك ممكناً لولا أن النظرية الفقهية للنص قد اضطلعت بوظيفة نظريةٍ معرفيةٍ بالنص نفسه، واختزلت هذا الوعي إلى حدود الوعي الفقهي الذي يمثل جانباً من جوانب منظومة الوعي الإسلامي، وبمعنى آخر غدا الوعي الإسلامي بالنص وعياً فقهياً، أسبغ القداسة فعلياً على الإنتاج الفقهي، مع أنه إنتاج بشري بحت ليست له أي قداسةٍ في المنظور الديني، ويمثل الشق التاريخي من التشريع لا أكثر ولا أقل، والذي يتميز بتغيره وحينيته وبخصائصه الوظيفية. بل إن هذا الوعي الفقهي أخذ يحكم الوعي الاعتقادي، مزيحاً الوعي التأويلي جانباً عن منظومة التفكير الإسلامي، وبهذا المعنى شكّل الفقه المنتَج منظومةً كهنوتيةً بالمعنى الاعتباري للكهنوتية وليس بالمعنى التجسيدي بالضرورة، أي منظومةً تتوسّط بين المسلم وبين النص، وبالتالي بين المسلم والله. وهذا التحول جزء من أنتروبولوجية الإسلام أي الإسلام كما يمارسه المسلمون وليس جزءاً من طبيعته اللاهوتية التي تنفي أي توسطٍ اعتباريٍ أو مشخص بين المسلم والله.
لكن عملية إزاحة الوعي التأويلي وبالتالي إيقاف الذاتية النصية القرآنية عن الحركة لصالح ترسيماتٍ فقهيةٍ حلّت فعلياً مكان النص الذي يتجاوزها ويتجاوز بحكم دينامياته كل قراءاته، ليكون دائم المقروئية والتحيين، لم يكن ممكناً لولا أن الوعي الفقهي قد فرض آلياته المعرفية على الوعي الإسلامي.
وبمعنى آخر لم تكن المعارضة ممكنةً ما بين التفسير والتأويل التي يتميز فيها الفقيه عن الكلامي والتأويلي في اعتنائه بالأحكام العملية، لولا أنّ التصورات العقائدية أو القصدية القرائية قد أثرت في نظرية المعرفة الإسلامية بالنص أوفي أدنى حد في الوعي به. فالتصورات الكلامية تحكم طريقة الوعي الفقهي حتى وإن استقلّ هذا الوعي ذاتياً عن الوعي الكلامي أو الاعتقادي. ومن هنا استخدم المتكلمون الأشاعرة قواعد علم أصول الفقه في مجال العقيدة أو أصول الدين، بشكلٍ غدا فيه هذا التأسيس حاسماً في تحديد الصورة النهائية للكلام الاعتقادي الإسلامي، فكان ما فعله الأشعري في الحقل الإسلامي السني لأصول الدين(العقيدة) نظير ما فعله الشافعي في حقل أصول الفقه(الشريعة).
لقد خضع أقطاب المتكلمين هنا في إطار سيادة الوعي الفقهي إلى قواعد الأصوليين ومعاييرهم الإبيستمولوجية البيانية والتفسيرية والقياسية النصية التي تجوّف النص من ذاتيته التوليدية والتخلقية والديمومة والصيرورة، أي تجوفه من قابلياته التأويلية، وغدت أصول التفكير العقدي محكومةً بأصول التفكير الفقهي وقواعده، وأدى ذلك إلى تحويل التأويل نفسه إلى شكلٍ من أشكال التفسير البياني. فما هو قياس أو استدلال تمثيلي أو قياس الفرع على الأصل في النموذج الأصولي هو قياس الشاهد على الغائب في النموذج الكلامي الذي يفترض الوعي التأويلي. وهذا القياس هو من أضعف أنواع الاستقراء معرفياً، فطاقته الاستكشافية محدودة ؛ لأنها مقيّدةٌ بمثال سبق على حد تعبير الإمام الشافعي. والطامة الكبرى تكمن هنا في تقييد الوعي الفقهي للوعي الإسلامي على مختلف جوانبه، من حيث اختزاله لقواعد التفكير عامةً وليس لقواعد العلم بالأحكام وحدها.
إن القياس الفقهي لا يثبت حكماً بل يكشف حكماً ثابتاً للمقيس(الفرع) من وقت ثبوته للمقيس عليه (الأصل) لوجود علّة الحكم فيه، كما هي في المقيس عليه. وغاية ما في الأمر أن ظهور الحكم في المقيس تأخر إلى كشف المجتهد عن علّة وجود الحكم، وبيان اشتراك المقيس والمقيس عليه فيهما، فيظهر أن الحكم فيهما واحد(7) وبلغة عبد الوهاب خلاف "القياس مظْهرٌ لا مثبت" فـ "لا يثبت ولا يضع حكماً في الفرع من عنده، وإنما يظهر أن حكم الأصل الذي ورد فيه النص ليس مقصوراً على واقعة النص، وإنما هو حكمٌ فيها، وفي كلّ واقعةٍ تحقّقت فيها علّته"(8). ليست الأحكام هنا إلا نصّاً أو حملاً عليه بالقياس في ضوء آلية قياس الفرع على الأصل التمثيلية.
لا يفارق حكم الفرع هنا حكم الأصل لأن أثر القياس هو تعدية الحكم من محلٍ إلى محل. بكلامٍ آخر القياس في نظرية النموذج الأصولي للنص هو تفسير للنص وفق قواعد النموذج وليس وفق ما يتيح النص من إمكاناتٍ قرائيةٍ أخرى، ولا يعدو التفسير التمحور حول وسائل فهمه وبيانها أكثر من التمحور حول مقاصده. ومع أن ابن تيمية قد تميز نسبياً بتخطي المسالك اللغوية الضيقة للعلل، وأخذ المقاصد بعين الاعتبار في استدلاله التمثيلي، فإن تصوره لـ"القياس الحق" أو"الصحيح" لا يعدو قياس الطرد(الجمع بين المتماثلين)وقياس العكس(التفريق بين المتخالفين)، أي أن العلة تعمل طرداً وعكساً. فالقياس الفاسد هو تبعاً إلى ذلك الذي لا يتحقق فيه التماثل في العلة.
لقد تحول الوعي الفقهي إلى وعيٍ شكليٍ يضحّي بمقاصد الشريعة وحكمتها، فهناك وفق عبد الله دراز ركنان لاستنباط أحكام الشريعة هما: علم لسان العرب وعلم أسرار الشريعة ومقاصدها. ولقد انشغل الأصوليون بالركن الأول في حين "أغفلوا الركن الثاني إغفالاً"(9). إن تهميش المقصد قد كان بحكم آليات الوعي الفقهي والنموذج الشكلي القياسي الذي يحكمه، ومن هنا لم يعد المقصد يرد في النموذج الأصولي إلا عبر إشارةٍ في باب القياس عند تقسيم العلّة بحسب مقاصد الشارع، وبحسب الإفضاء إليها، ويصبح المقصد هنا تابعاً إلى القياس في إنشاء الأحكام الشرعية العملية(10). وهو ما سبق لمحمد أبي زهرة أن لاحظه حين أشار إلى أن علماء الأصول منذ الشافعي لم يتجهوا على بيان المقاصد بقدر ما وقفوا عند الوسائل(11) التي باتت تطلب لذاتها وليس لما وراءها، فيرى الطاهر بن عاشور في ضوء مفهومه للمقاصد كعلمٍ أصوليٍ جديدٍ "أنّ معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع على خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول مصدر استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة القواعد" ومن هنا أدّت عبادة الوسائل على حساب المقاصد إلى وضع النموذج الأصولي في مواجهة المقاصد نفسها، ومن ثم تعطيل النص عن مقاصده.
لم يعد ممكناً حل مأزق النموذج الأصولي وأزمته باتت مزمنةً من دون إعادة تأسيسه من جديد على أساس المقاصد الكلية للشريعة التي يمكن إدراجها في إطار نظريةٍ عامةٍ لتأويل النص القرآني في إطار عالمٍ متغيّرٍ على أساس تحقيق المصلحة التي يفترض بها أن تشكّل رحى التشريع الإسلامي. فالتأويل في ضوء المصلحة هو من أهم أبعاد هذه النظرية المدعوة إلى السيادة، والتي ينطلق فيها فهم النص من وعيٍ جديدٍ هو الوعي المقاصدي. وهو ما يربط مابين التأويل والاجتهاد من ناحية أن "التأويل هو من صميم الاجتهاد بالرأي المستند إلى المناهج الأصولية، وهو صرف المعنى اللغوي الظاهر المتبادر إلى معنى آخر، بالاستناد إلى دليل من نص قاعدةٍ عامةٍ أومن حكمة التشريع، يجعل المعنى المؤوّل راجحاً بالدليل"(12). وهذا الرأي هو لفتحي دريني وأهميته أنه يضع النظرية الفقهية في إطار النظرية التأويلية أو يعتبر النظرية الفقهية مجرد مصدر من مصادر النظرية التأويلية، بما يكشف عن انحياز الدريني على مدرسة الاجتهاد بالرأي الذي يدخل التأويل بحسب المصلحة والتطور الثقافي والعرفي في صلبها، هوما يوضحه بقوله: "والتأويل من صلب الاجتهاد بالرأي في نطاق النص، بما هو جهد عقلي ينصب على تفهم المراد من النص لا على ضوء ما يوحي به من منطق اللغة في معناه الظاهر"(13). ويقترب الدريني في ذلك من نظرية المقاصد الشرعية في طرحها الجديد في إعادة الاعتبار للوعي التأويلي في فهم النص وممارسته وإنتاجه.
إن التأويل في إطار وعيٍ مقاصديٍ تأويليٍ جديدٍ بالنص يمكنه أن يحلّ عقبات ما يسميه رضوان السيد بعدم قدرة النظرات التجديدية المعاصرة على التحرك إلا في غير مجالات الجزئيّات(14). ومن ثم اعتماد وسائل استدلال مستقلة في ضوء الاجتهاد المطلق بالشّرع، بما في ذلك تخصيص عام النص وتقييد مطلقه، أو تأويل ظاهره أو إيقافه عن العمل، ولقد وقع فقهاً وتاريخاً ومصلحةً ً في عهد المسلمين الأوائل. فالتأويل هنا لا يخص غير الواضح الدلالة مثل"الخفي" و"المشكل" و"المجمل" و"المتشابه"، بل يشمل أيضاً ما هو واضح الدلالة بأقسامه المعروفة مثل الظاهر والنص اللذين يقبلان التأويل، إذ إن إغلاق التأويل حتى في الظاهر والنص"قد يؤدي إلى البعد عن روح التشريع والخروج عن أصوله العامة وإظهار النصوص متخالفةً"(15). وإنّ تخصيص العام هو من أوضح أشكال التأويل أي من أوضح إخراج اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر يحتمله ولومن بعيد، أو تستدعيه ذاتيته النصية، أو تستدعيه المصلحة. عن المصلحة التي يفرضها الواقع تغدو هنا من أهم طرق الدلالة، والتخصيص بالتالي بوصفه شكلاً من أشكال التأويل يكون بأدلةٍ معينةٍ تنتمي برمتها إلى حقل المتغير في الواقع مثل العقل والعرف والمصلحة وروح التشريع ومقاصده، بما في ذلك قيادة التخصيص إلى نسخ النص فعلياً، مع أنّ المنتمي إلى الفضاء التأويلي الإسلامي يقول انسجاماً مع فهمه لقداسة النص وحرية التأويل إنّ هذا ليس نسخاً بل هو بيان للمراد من العام أو المطلق، مع أنه نسخ من حيث إن النسخ في أصغر تعريفاته رفع للحكم بعد ثبوته. وبالنسبة على المسلم غير الملتزم أو غير المسلم قد لا يعني ذلك شيئاً لكن بالنسبة إلى من أرادوا ويريدون أن يعيشوا بحسب الإسلام فإن العطل ليس في دينهم بل في كوابح فهمهم له. وحين يفهمون النص مقاصدياً ستضيق الفجوة بينهم وبين غير المسلمين على أساس رسالة الانتماء الإنساني التي تشكل جوهر النص.

*******************
الحواشي
*) كاتب مفكر من سوريا.
1) محمد الطالبي، عيال الله: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين، دار سراس للنشر، تونس، 1992، ص137.
(2) قارن مع أحمد بوحسن، نظرية التلقي والنقد الأدبي الحديث، في"نظرية التلقي: إشكالات وتطبيقات"، مجموعة باحثين ونقاد، جامعة محمد الخامس، 1993، ص21.
(3) منذر عيّاشي، مقالات في الأسلوبية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1990، ص137.
(4) ميلود حبيبي، النص الإبداعي بين التلقي وإعادة الإنتاج، في"نظرية التلقي: إشكالات وتطبيقات"، مصدر سبق ذكره، ص174.
(5) أبو حامد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، دون تاريخ.
(6) سيد سابق، فقه السنّة 1/13، ج1، دار الكتاب العربي، بيروت، دون تاريخ.
(7) عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، مكتبة القدس، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1978، ص12.
(8) عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نصّ فيه، جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية، 1955، ص22.
(9) عبد الله دراز، من مقدمته لتحقيق: الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي، ص10-11.
(10) عبد الله دراز من مقدمته لتحقيق الموافقات في أصول الشريعة، المصدر السابق، ص11، قارن مع عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة، دار المنتخب العربي، بيروت، ط1، 1994، 469-471.
(11) محمد أبو زهرة، الشافعي، ص372-373.
(12) فتحي الدريني، حول مفهوم الاجتهاد، مجلة المعارج، العددان 44-45، 2003، ص364.
(13) المصدر السابق، ص364.
(14) أورده قيس خزعل العزاوي، الفكر الإسلامي المعاصر، نظرات في مساره وقضاياه، دار الرازي، بيروت 1992، ص74.
عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، دار القلم، الكويت، 1983، ص166.

vendredi 18 mars 2011

د. عبد الوهاب المسيرى: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة


بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة

د. عبد الوهاب المسيرى



ما هي العلمانية؟ هذا السؤال قد يبدو بسيطا، و الإجابة عليه أكثر بساطة، فالعلمانية هي فصل الدين عن الدولة ، أليس كذلك؟ قد يندهش القارئ إن أخبرته أن إجابتي علي هذا السؤال بالنفي و ليس بالإيجاب. و لتوضيح وجهة نظري أري أنه من الضروري أن أطرح قضية منهجية خاصة بالتعريف. إذ أرى أن هناك نوعان من التعريفات تداخلا واختلطا وأديتا إلى نوع من الفوضى الفكرية. فهناك التعريفات "الوردية" التى تعبر عن الأمل والتوقعات من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك ما تحقق بالفعل فى الواقع. وكثيراً ما يكون البون بينهما شائع، ومع هذا يستمر كثير من الباحثين في استخدام التعريفات الوردية التي وردت في المعاجم حتى بعد أن اتضح أن ماتحقق على أرض الواقع جد مختلف.

تم تعريف العلمانية في أواخر القرن التاسع عشر باعتبارها "فصل الدين عن الدولة"، وكان التصور أن عملية الفصل هذه ستؤدي لا محالة إلى الحرية والديموقراطية وحل مشكلات المجتمع، فيَحل السلام فى الأرض وتنتشر المحبة والأخوة والتسامح. ولكن كلمة "دولة" كما وردت في التعريف آنف الذكر لها مضمون تاريخي وحضاري محدد، فهي تعني بالدرجة الأولى المؤسسات والإجراءات السياسية والاقتصادية المباشرة. كما أن الدولة في القرن التاسع عشر حين وُضِعَ التعريف، كانت دولة صغيرة وكياناً ضعيفاً، لا يتبعها جهاز أمني وتربوي وإعلامي ضخم (كما هو الحال الآن)، ولا يمكنها الوصول إلى المواطن في أي مكان وزمان. وكانت كثير من مجالات الحياة لا تزال خارج سيطرة الدولة، فكانت تديرها الجماعات المحلية المختلفة، منطلقة من منظوماتها الدينية والأخلاقية المختلفة. فالنظام التعليمى على سبيل المثال لم يكن بعد خاضعاً للدولة، كما أن ما أسميه "قطاع اللذة" (السينما – وكالات السياحة – أشكال الترفيه المختلفة مثل التليفزيون) لمَ يكن قد ظهر بعد. والإعلام لم يكن يتمتع بالسطوة والهيمنة التى يتمتع بهما فى الوقت الحاضر. والعمليات الاقتصادية لم تكن قد وصلت إلى الضخامة والشمول التي هي عليه الآن. كل هذا يعني في واقع الأمر أن رقعة الحياة الخاصة كانت واسعة للغاية، وظلت بمنأى عن عمليات العلمنة إلى حد كبير. ويلاحظ أن تعريف العلمانية باعتبارها فصل الدين عن الدولة يلزم الصمت بخصوص حياة الإنسان الخاصة و الأسئلة الكونية الكبرى مثل الهدف من الوجود و الميلاد و الموت، و لا يتوجه لمشكلة المرجعية ومنظومة القيم التى يمكن أن يحتكم إليها أعضاء مجتمع واحد.

ولكن حدثت تطورات همشت التعريف الوردي القديم منها تعملُق الدولة وتغوُّلها وتطويرها مؤسسات "أمنية وتربوية" مختلفة ذاتَ طابع أخطبوطي يمكنها أن تصل إلى كل الأفراد وكل مجالات الحياة. ثم تغوَّل الإعلام وتعملق هو الآخر وأصبح قادرا على الوصول إلى الفرد في أي مكان وزمان، والتدخل في تعريفه لنفسه وفي تشكيل صورته لنفسه، وفي التدخل في أخص خصوصيات حياته وحياة أطفاله، وفي صياغة أحلامهم ولا وعيهم. والإعلام بالمناسبة مؤسسة غير منتخبة ولا توجد أى مؤسسة لمراقبتها ومساءلتها. والسوق هي الأخرى لم تعد سوقاً، وإنما أصبحت كيانا أخطبوطيا يسيطر على الإعلام و علي كل مجالات الحياة، وهو يوجه رؤى البشر ويعيد صياغة أحلامهم وتوقعاتهم. كل هذا نجم عنه تضييق وضمور – وأحياناً اختفاء – الحياة الخاصة. في هذا الإطار، كيف يمكن أن نتحدث عن فصل الدين عن الدولة؟! أليس من الأجدر أن نتحدث عن هيمنة الدولة والسوق و الإعلام، لا علي الدين و حسب بل علي حياة الإنسان العامة و الخاصة.

إن ما يتشكل على أرض الواقع أبعد ما يكون عن فصل الدين عن الدولة، وإنما هو أمر أكثر شمولا من ذلك. فآليات العلمنة لم تعد الدولة وحسب وإنما آليات أخرى كثيرة لم يضعها من وضعوا تعريف العلمانية في الحسبان، من أهمها الإعلام والسوق و الدولة المركزية القوية. ومع هذا كلِّه ظل التعريف القديم قائماً، ولذا حينما نستخدم لفظ "علماني" فهو لا يشير إلى الواقع وإنما للتعريف الوردي الذي تخطاه الواقع، ويدور الحوار بشأن العلمانية في ضوء التعريف الوردي القديم وليس في ضوء معطيات الواقع الذي تحقق.

لكل هذا وجدت أنه لامناص من إعادة تعريف العلمانية انطلاقا من دراسة ما تحقق في الواقع بالفعل و ليس من التعريف المعجمي، علي أن يحيط التعريف الجديد بمعظم جوانب الواقع الذي تمت علمنته. فحاولت أن أقوم بتطوير نموذج تحليلي من خلال ما أطلق عليه "التعريف من خلال دراسة مجموعة من المصطلحات المتقاربة ذات الحقل الدلالي المشترك أو المتداخل". فجمعت معظم المصطلحات التي تُستخدم في وصف أو نقد المجتمعات العلمانية الحديثة مثل التسلع و التنميط و الإغتراب و إزاحة الإنسان عن المركز، ثم جردت النموذج الكامن وراءها جميعا. فلاحظت أن معظمها يشير إلى حالة إنسانية (مثالية) تتسم بالتكامل والتركيب والكلية والحرية والمقدرة على الاختيار والتجاوز، وهي حالة يكون فيها الإنسان مستقلا عن الطبيعة/ المادة، متميزا عنها، متجاوز لقوانينها لأنه يتحرك في حيزه الإنساني الذي له قوانينه الإنسانية (الاجتماعية والحضارية) الخاصة، ومن ثم فهذه الحالة هي ما يشكل إنسانية الإنسان وجوهره. ولكن هذه المصطلحات تشير أيضا إلى أن ثمة انتقال من هذه الحالة الإنسانية الجوهرية المتجاوزة الافتراضية إلى حالة واقعية ومتحققة في المجتمعات العلمانية الحديثة تتسم بذوبان الإنساني في المادي. من كل هذا استخلصت نموذجا يمكن تلخيص ملامحه في صياغة بسيطة جدا: العلمانية التي تحققت في الواقع تعني أن ثمة انتقال من الإنساني إلى الطبيعي/ المادي، أي من التمركز حول الإنسان إلى التمركز حول الطبيعة، أي الانتقال من تأليه الإنسان وخضوع الطبيعة إلى تأليه الطبيعة وإذعان الإنسان لها ولقوانينها ولحتمياتها، أي أن هذه العلمانية تشكل سقوطا في الفلسفة المادية.

وانطلاقا من هذا قمت بالتفريق بين ما أسميه "العلمانية الجزئية" التي يمكن أن أطلق عليها "العلمانية الأخلاقية" أو "العلمانية الإنسانية"، وهي "فصل الدين عن الدولة" من ناحية، ومن ناحية أخرى ما أسميه "العلمانية الشاملة"، وهي رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته، لا تفصل الدين عن الدولة وعن بعض جوانب الحياة العامة وحسب، وإنما تفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة العامة في بادئ الأمر، ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة في نهايته، إلى أن يتم نزع القداسة تماماً عن العالم، بحيث يتحول العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مادة استعمالية. وهي رؤية شاملة، لأنها تشمل كلاً من الحياة العامة والخاصة، بحيث تتساوى كل الظواهر الإنسانية والطبيعية وتصبح كل الأمور مادية. إن العالم، من منظور العلمانية الشاملة (شأنها في هذا شأن الفلسفة المادية)، خاضع لقوانين مادية كامنة فيه لا تفرق بين الإنسان و غيره من الكائنات. كل هذا يعني نزع القداسة عن الطبيعة والإنسان وتحويلهما إلى مادة استعمالية، يوظفها القوي لحسابه. والعلمانية الشاملة بطبيعة الحال لا تؤمن بأية معايير أو مطلقات أو كليات، فهى لاتؤمن إلا بالنسبية المطلقة. بل إننى أذهب إلى أن ثمة ترادف بين العلمانية الشاملة والرؤية الداروينية الصراعية، ولذا أسميها العلمانية المادية أو العلمانية المنفصلة عن القيمة أو العلمانية الداروينية، إذ إنه في غياب المعايير التى تتجاوز الذات الإنسانية تظهر آلية واحدة لحسم الصراع وهي القوة، ولذا نجد أن البقاء هو للأقوى، ولعل المنظومة الداروينية الصراعية هي أقرب المنظومات اقتراباً من نموذج العلمانية الشاملة.

و العلمانية ليست ظاهرة إجتماعية أو سياسية محددة واضحة المعالم تتم من خلال آليات واضحة (مثل إشاعة الإباحية)، يمكن تحديدها بدقة وبساطة. كما أنها ليست -كما يتصور البعض- أيديولوجية أو حتى مجموعة من الأفكار التي صاغها بعض المفكرين العلمانيين الغربيين، وأن هذه الأفكار نشأت في أوروبا بسبب طبيعة المسيحية، باعتبارها عقيدة تفصل الدين عن الدولة وتعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وأنه للتحقق من معدلات العلمنة في مجتمع ما، فإن علي الباحث أن يتناول عمليات العلمنة الواضحة وآلياتها المباشرة ومؤشراتها الظاهرة، فإن وجدها،صُنِّف المجتمع باعتباره مجتمعاً علمانياً، وإن لم يجدها فهو، بكل بساطة، مجتمع إيماني! وانطلاقا من هذا التصور الاختزالي تصبح مهمة من يود التصدي للعلمانية هي البحث عن هذه الأفكار العلمانية والممارسات العلمانية (الواضحة) وعن القنوات التي يتم من خلالها نقلها. ومهمة من يبغى الإصلاح هي ببساطة استئصال شأفة هذه الأفكار والممارسات، عن طريق إصدار تشريعات سياسية معينة وفرض رقابة صارمة على الصور والأفكار الواردة من الخارج.

إن مَن يدرس ظاهرة العلمانية باعتبارها مجموعة من الأفكار المحددة والممارسات الواضحة، يتجاهل الكثير من جوانبها وبالتالي يفشل في رصدها. إن مصطلح «علمانية» كما هو متداول لا يشير إلا إلى هذه الجوانب الواضحة و الظاهرة التي أشرنا إليها، فهو دال قاصر عن الإحاطة بمدلوله. فالعلمانية ثمرة عمليات كثيرة متداخلة بعضها ظاهر واضح والآخر بنيوي كامن، وتشمل كل جوانب الحياة، العامة والخاصة، الظاهرة والباطنة، وقد تتم هذه العمليات من خلال الدولة المركزية، بمؤسساتها الرسمية، أو من خلال قطاع اللذة من خلال مؤسساته الخاصة، أو من خلال عشرات المؤسسات الأخرى (ومنها المؤسسات الدينية)، أو من خلال أهم المنتجات الحضارية أو أتفهها.

ولذا فدائما ما أشير إلى ما أسميه "العلمنة البنيوية الكامنة" لوصف ما أتصور أنه أهم أشكال العلمنة وأكثرها ظهوراً وشيوعاً. والتي تتسرب لنا، وتتغلغل في وجداننا، دون أي شعور من جانبنا، من خلال منتجات حضارية يومية وأفكار شائعة وتحولات اجتماعية تبدو كلها بريئة أو لا علاقة لها بالعلمانية أو الإيمانية. خذ علي سبيل المثال سلعة من أكثر السلع شيوعا و أبسطها، التِّيشيرت
وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة! وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، مما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً علمنة للوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟ وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع- ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة تماماً و مجرد تسلية مؤقتة تؤثر في وجداننا وتُعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم. إذ إن أولئك الذين يرتدون التِّيشيرت، ويشاهدون الأفلام الأمريكية (إباحية كانت أم غير إباحية)، ويسمعون أخبار وفضائح النجوم ويتلقفونها، ويشاهدون كماً هائلاً من الإعلانات التي تغويهم بمزيد من الاستهلاك، ويهرعون بسياراتهم من عملهم لمحلات الطعام الجاهز وأماكن الشراء الشاسعة يجدون أنفسهم يسلكون سلوكاً ذا توجُّه علماني شامل ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات هي في جوهرها علمانية شاملة دون أية دعاية صريحة أو واضحة. وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة.

ونظراً لعدم إدراك البعض لأشكال العلمنة البنيوية الكامنة هذه، فإنه لا يرصدها. ولذا، يُخفق هذا البعض في تحديد مسـتويات العلمنة الحقيقية. وعلى هذا، فقد يُصنَّف بلد باعتباره إسلامياً (مثلاً) لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة إسلامياً ولكن معظم سكانه لا يزالون بمنأى عن آليات العلمنة البنيوية الكامنة التي أشرنا إليها.

و الله أعلم.

الأنوثة في فكر ابن عربي


إنَّا إنَاثٌ لما فِينَا يُولِّده

فلنحمد اللّه مَا فِي الكونِ من رَجلِ

إنَّ الرجَالَ الذِين العرفُ عَيَّنهم

هم الانَاثُ وَ هم سُؤلِي وَهم أملي



[1]

ابن عربي





ارتبطت التجربة الصوفية في السياق الإنساني، بانفتاح متفرَد على آفاق معرفية متميزة. وتمثلت علاقتها مع الدين كمؤسسة بعلاقة اتصال وانفصال ، علاقة امتداد وانقطاع في آن.



ففي الوقت الذي تتقاطع فيه الفلسفة الصوفية مع التراث الديني كبعد أساسي في تأسيس هذه التجربة، يحاول التصوف الفلسفي أن يقدّم تصوَره الخاص المبني على قراءة للعمق الخفي والمستتر لهذا الدين، الذي لا يعود مهمًا، فقط كأوامر ونواهي، وعادات وعبادات…



والتجربة الصوفية هي تجربة مسلكية تمثل رغبة محرقة في الاتصال مع" الله "، وفي الذهاب من الظاهر إلى الباطن، من المألوف إلى الماورائيات ، وذلك لا يتم إلا باستيفاء شروط واختبارات روحية عميقة.



من هنا شكّلت التجربة الصوفية طرحاً مختلفا، وفريداً، ورؤية للوجود تحمل الكثير من الغموض والغرابة بالنسبة لمن يحيا البعد المادي بعيدا عن عالم الروح ، لأنها تترك للجوانب المدهشة في هذا الكون وفي الكائن سحرهاودهشتها.



من جهة أخرى تتأسس التجربة الصوفية من علاقة ثلاثية الأبعاد ، تتجسد ، في علاقة الإنسان مع " الله " (أو المقدس)، و في علاقة الانسان مع الوجود وكائناته ، وفي علاقة المكوّن مع الكائنات ، فهي تجربة معرفية، تجربة في النظر والسلوك، تطرح نظامها الخاص، وتقدم أدواتها التي تختبر بها المجهول.



وقد تميز تأويل ابن عربي للنصوص الدينية، جعله يبتعد في مناطق جلبت له تأليب الفقهاء وانتقاداتهم الحادّة ، أدت بهم لاتهامه بالزندقة، لكن عندما نتأمل عميقًا في نظريته الفلسفية نكتشف هذه القدرة المدهشة على استكناه النص، والتوغل في عتماته، ولا شك أن التجربة الشخصية (الصوفية) التي عاشهاالشيخ الأكبر، وظرفه التاريخي أتاحا له هذه الفتوحات، فهو عاش في الأندلس في لحظة حضارية عرفت أوج التبادل الحضاري والمعرفي، والانفتاح على الثقافات الأخرى، والديانات المختلفة. وهو قد تأثر بكل التيارات التي كانت موجودة في عصره، وكل ما وصله من علوم متباينة، وان موسوعته "الفتوحات المكية" خير شاهد على هذه التأثيرات.

ومن أطرف تصورات ابن عربي هي نظرته إلى المفاهيم واعطائها توصيفات جيدة أخرجتها عن مضامينها السائدة، كما ان نظرته للديانات الأخرى تميزت بانفتاح حقيقي تميز بروح تسامحية قل نظيرها. وذلك في إطار نظريته في التأويل الرمزي، فهو" لم يهتم بأسس الاختلاف والتنوع بقدر ما حاول اكتشاف البنية التي توحد تلك الأديان والشرائع، فما يهمه ليس توزعها الإيديولوجي والجغرافي، ولكن بنيتها الأساسية الجوهرية التي تجد كامل تفسيرها في فكرة التجلي، وفعلا، فالاعتقادات والأديان تشكل مظاهر وتجليات لمعاني الألوهية"[2]



لذلك نجد ان الإبداع الفلسفي في الخطاب الأكبري ينفتح على أنساق فكرية إنسانية كونية ، هذا البعد الذى يتخذ فى فكره بعدا وجوديا. وعبره يطرح العلاقة بين الوحدة والكثرة، الثبوت والحركة، التنزه والتشبيه.. من خلال رؤية تنبنى على قطبية الوجود "الأنوثة والذكورة".





كما فرّق بين التجليات الوجودية والتجليات الاعتقادية، فالكون والمخلوقات كلها مظاهر التجلي الإلهي، هذا التجلي المستمر والمتغير بلا انقطاع " فلو لم يظهر التبدل في العالم لم يكمل العالم، فلم تبق حقيقة إلهية إلا وللعالم استناد إليها، على أن تحقيق الأمر عند أهل الكشف أن عين تبدل العالم عين التحول الإلهي في الصور"[3].



فالكون والوجود يتحولان بتحول التجليات الإلهية، كما أن التجليات تكون بحسب استعداد البشر واختلافاتهم، والإنسان الكامل هو الذي يدرك ثبات الحقيقة رغم اختلاف تجلياتها في الصور المختلفة.



ومن هنا فمعرفة المتصوفة له تمييزهم عن غيرهم " فالعارف الكامل يعرفة في أي صورة يتجلى فيها، وفي كل صورة ينزل فيها، وغير العارف لا يعرفه إلا في صورة معتقده، وينكره إذا تجلى له في غيرها".[4]





مفهوم الانثى عند ابن عربي





تحضر مسألة الأنوثة مع صاحب الفتوحات بخصوصيةٍ ميزَّته عن سابقيه، حيث تتخذ معه طابِعًا معرفيًّا بشكلٍ واضحٍ وصريح ؛ فيخترق الأزواج المفاهيمية على المستوى الأنطولوجي والأنتربولوجي ، والمعرفي واللغوي… ف" الانثى " كمفهوم هي نقطة محرقية لاستقطاب التجليات الالهية كونها تمثل البعد المنفعل في تلقي الانوار الالهية .



فخطاب ابن عربي لا يكف عن الاحتفال بالأنوثة le féminin بحضوره الباذخ و بهائه اللامع ، بحشمته المضيئة وعتمته الواعدة ، وسريته الكاشفة، من داخل صونها المحير، ماهيته الأسرار كلها.



فيحضر مفهوم الأنثى بشكله الواسع والعميق إلى حدٍّ يمكن للباحث أن يعتبر أنّ الخطاب هو خطاب أنوثة ، يقول ابن عربي في معرض مناسبة كتابته للفتوحات ، التي هي مشاهدته القلبية للانبياء ، حين يصل إلى عيسى:



" قد جثى يخبرة بحديث الأنثى "[5]



فخطاب ابن عربي يمخرالأعماق لينتشر على صفحات الكتابة ، فهو ينكتب على صفحات الروح وما يُكتنز داخل الجسد كما ينكتب على برانيته في آن



فيتم العبورعبر الجسد نحو الطاقة الفعالة للفكر وممكناته دون أن يجعله جزءًا أساسيًّا من الجسد المكتوب corps écrit ،فينفتح خطابه على الصيرورة الأنثوية devenir- féminin نحو خارج الكينونة، فيهز أساس اللغة ليبحر نحو سطح الوجود، وأحداثه الخالصة.



والاعتراف "بالانوثة والذكورة " كقطبية تميزالوجود، هو في ذاته إعادة النظر في مبادئ الفكر " العقلاني " ( مبدأ الهوية ، الخلق ….) لذلك عمد ابن عربي لاعتماد مبادئ منها (التثليث ، الحب ، الرؤية …) الأمر الذي سمح له بمرونة تقبل القضية ونقيضها ، فتتعدد الدلالات المتعلقة بنفس الموجود و تتقابل لتثير حيرة الفكر ، هذه الحيرة التي يعتبرها عين الصواب وهي الطريق لمعرفة الكون نظرًا للطابع الخيالي الذي يتسم بها .



فالهوية عنده في تفتّح مستمر ومتواصل فالذات حركة دائمة في تجاه الآخر. ولكي تبلغ الذات الآخر لابد من أن تتجاوز نفسها، أو لنقل : لا تسافر الذات في اتجاه كينونتها العميقة، إلا بقدر ما تسافر في اتجاه الآخر وكينونته العميقة. "ففي الآخر تجد الذات حضورها الأكمل. الأنا هي، على نحو مفارق اللاأنا. والهوية، في هذا المنظور، هي كمثل الحب - تخلق باستمرار."[6]



لذلك يتميز الخطاب الأكبري بأنه خطاب بلا ذات discursivite sans sujet تشتغل فيه سيرورة الكتابة على الآثارles traces ، أكثر مما تشتغل على ماهية معطاة، فيتجاوز محدودية الحدس والشطحات الى العمل عليها، ومحاولة أسرها انطلاقا من ماكينة تأويل مركبة ذلك ما يسميه دريدا في (Eperons)[7])، العملية الأنثوية التي تكتب وتكتب في آن ، واليها يؤول الأسلوب.



ويتميز أسلوب الكتابة عن "الأنثى " عند الشيخ الأكبر بميزات جمالية منها:





اولا: فهو يتجاوز بالكلمة والمصطلح حدود التركيب والمعنى المألوف ليجعلها تناغم في صيرورة سحرية سرّية، فنجد في اسلوبه افتتانا هرموسيًّا، غنوصيًّا، يلج نوعا من الانخطاف اللانهائي، وهذا الامر شبيه بما أسماه نيتشه في سياق آخر: الرقص بالكلمات والأسلوب .



ثانيا: ان خطابه عرفاني فلسفي صوفي ، لذلك يتجاوز محدودية الحدسيات والشطحات الى الاشتغال عليها، ومحاولة أسرها انطلاقا من ماكنة تأويل مركبة ، ومن أشكال تعبير متنوعة ، فمفهوم "الانوثة عنده " يتجاوز البعد المادي و الصورة لتأخذ بعدًا غيبيا اونطولوجيّا .



ثالثُا : أن خطابه "بلا ذات "discursivite sans sujet ينطلق فيه من خلال سيرورة الكتابة على ما يترتتب عليها، أكثر مما ينطلق من معطيات محددة.



لذلك نجد أن هذا الاسلوب لا قياس له ولا ينضبط لأنه انخراط في لانهائية النهائي ، ويمكن ان نصفه بالمقاربة المربكة للحواس المدوخة للفكر ، وتطرح المقاربة هنا كإلتزام انطولوجي .





فالشغف الانخطافي عند ابن عربي هو انخطاف ينمرس في أفق المعلوم وازاء ملفوظاته ، وهو يختلف عن الانخطاف العاري… ، الذي يبتكر الآخر ، وينشغل به ويستحضره ، وفق نمط يجعل الكتابة رهينة الأنثوي.



وهذا الأمر يجعل التجربة الانخطافية Iexperience extatqué تجربة مشروطة بفاعلية التأويل ، ويجعل العمق الأونطولوجي، ملزما باستدعاء المنطوق الملفوظ ، واستخراج ممكنات المجاورة منه . فهي انخراط الكتابة، في استدعاء الأنثوي واستثماره .





إحتفال ابن عربي بالعلة المؤنثة





و يأتي احتفال فكر _الكتابة عند الشيخ الأكبر بالعلة المؤنثة في اماكن كثيرة من كتبه يقول في فصوص الحكم : "فإذا الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه ، فهو بين مؤنثين ، تأنيث ذات وتأنيث حقيقي(…) كآدم مذكر بين الذات الموجود عنها وبين حواء الموجودة عنه (…) فكن على أي مذهب شئت ، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم ، والعلة مؤنثة ..)[8]



وقد خص ابن عربي آخر الفصوص (فص الكلمة المحمدية) الجزء الأكبر منه لتأويل حديث نبوي وابراز موقع التأنيث داخله وأهميته وفاعليته وأبعاده اللامرئية ، لا كتأنيث لفظي متعلق بالتركيب اللغوي للحديث (كون الحديث ذكر العدد على وجه التأنيث ، رغم أن العرب تذكر لوجود مذكر في الخطاب )، ولكن كتأنيث معنوي غير لفظي، يعتمد إبراز الأنوثة المطلقة الأنوثة التأكيدية ، التي هي من الكتابة والجسد ، تجربتهما القصوى التي تنكتب خارج أسر الإرادة /المشروع ، ولا تصير قابلة للمعرفة قبل أن تكون موضوعا لرغبة سيده . إنه ما يسميه بلانشو Blanchot سلطة الأنثوي المتعذر تعريفها، حتى على من يقدر أو يعتقد البقاء غريبا عنها، لا "الأنثوي الأبدي" , l’éternel feminin الذي تحدث عنه غوته ، والذي هو نسخة شاحبة من بياتريس الأرضية والأبدية لدانتي[9].





الانثى محل انفعال والانفعالية عَرَض





يقوم التصور العرفاني لابن عربي على اعترافه بحضور "الأنوثة والذكورة " عبر كل فعل من منطلق كونهما منفعل / فاعل، يقول ابن عربي: " فإن كل منفعل رتبته رتبة الأنثى وما تم إلا منفعل، والفعل مقسم على الحقيقة بين الفاعل والمنفعل ، فمن الفاعل الاقتدار ومن المنفعل القبول للاقتدار عليه "[10]



وأن تكون الأنثى محل الانفعال هو تأكيد لأبعاد هذه العملية الخلاقة والاستراتيجية ، إبراز لأهمية التأنيث المعول عليه ، ولمنزلته في الوجود، أو لتلك الأنيما L’Anima القوة الأنثوية المحررة التي تصير نافعة ومؤكدة.



يمكن في هذا السياق ، اعتبار كتاب ابن عربي (ترجمان الأشواق )، تعبيرا عن هذه الفاعلية المشتغل عبر الفتنة : فتنة الكيان ، المجسد وفتنة اللغة في آن ، أو فتنة التأويل وفتنة الأنثى - الخطاب معا.



وتتحدد الفاعلية والانفعالية عند ابن عربي كعلاقة أو نسبة ، والنسب ليست من حقائق الكائن عنده لأنها مجرد أعراض يقول ابن عربي في رسالته عقلة المستوفز في باب الكمال الإنساني : "فكلامنا إذا في صورة الكامل من الرجال والنساء فإن الانسانية تجمع الذكر والأنثى ، والذكوريّة و الأنوثية إنما هما عرضان ليستا من حقائق الانسانية …"[11]







الأنوثة مبدأ كوني لأن صور الكون ذات طبيعة انفعالية





ينطلق ابن عربي من مبدأ هو أنه لا يوجد في الوجود إلا الحق وأعيانه وصوره ، والكون هو صور الحق المنعكسة في مرآة الوجود وتحمل الصورة سمات المتجلي ، فما يُطبع في الصورة من موجودات كونية يجد أصله في الوجود الإلهي وهو شأن الأزواج المفاهيمية : الجمال والجلال ، الوحدة والكثرة ، القدم والحدوث …..) [12]



وهذه الصور للموجودات هي ذات طبيعة انفعالية لذا يصرح الشيخ الاكبر بأنه ما تمَّ إلا منفعل إذ أن كلّ ما سوى الله فهو منفعل أي محل يتميز بالاستعداد للتلقي والتأثر فتسري الأنوثة كمبدأ كوني على اعتبار ان الكون محل لفعل الخالق .



وهنا نفهم عمق الدلالة في "الوصية الحكمية " الوصية الاولى في كتابه الوصايا :





إنَّا إنَاثٌ لما فِينَا يُولِّده * فلنحمد اللّه مَا فِي الكونِ من رَجلِ





كون الانسان مرآة التجليات الاسماء والصفات الالهية وهو محل استقطاب للافعال الإلهية ، و هذا الإستعداد للقبول ، خاصية ذاتية تميز المحل وبفعل هذه الخاصية وُجدَ الكون لأن كل الموجودات قي تمتلك قابلية المحل إلا الله والمحل عند بن عربي لا يعني أنه المكان لأنه يقول ب "أينية المحل "بتعبير ابسط هو "أين تتجه الصورة " فإن المحل هو القابل للتلقي ….



يقول ابن عربي :" وليس (تعالى )محل حوادث بل الأعيان محل الحوادث وهو عين الحوادث عليها ، فإنها محال ظهوره …فما هو لنا بأين ونحن له أين ، فمن لا أينية له هو نحن ، فأعياننا أين لظهور ……."[13] وميزة العين هي الرؤية وخاصية المحل هي تلقي أثر المتجلي أي أثره أو صورته مما يجعل من المحل مرآة وموضوع للرؤية .





المرآة كمفهوم هي تجسيد لمبدأ الأنوثة





الأنثى عند الشيخ الأكبر محل، والمحل مرآة ، والرؤية كعلاقة بين المرآة والمتجلي وصورته هي أساس الإيجاد ، ويتطلب هذا الإيجاد محلا أصليًّا يقبل تجلي الوجود المطلق ويتمثل في الأعيان الثابتة ، ويُعد ابن عربي أول من استعمل مصطلع الأعيان الثابتة بمعنى الحقائق الباطنية للأشياء [14].



وجلاء مرآة الوجود يرجع إلى فعل التنفيس كحركة رحمة وارتياح وذلك لقوة تأثير الحبّ وإذا سألنا "من أين الحب ؟" يجيب ابن عربي :" من تجليه في اسمه الجميل "…… " فإن قلت وما الجمال ؟ " قلنا نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية باسمه الجميل "[15]



فحضورالمرآة في فكر ابن عربي يتعلق بطرحه لمبدأ الأنوثة على المستوى الأنطولوجي ، فالمرآة ارتبط تاريخيا بالجمال والخيال والحب والمرأة … وكل تركيبات هذه المفردات وعناصرها جعلها تقترن بعالم الطبيعة والانفعال ومن ثم الزوال ، كما ان الأنوثة احتلت في إطار التفكير الفلسفي مرتبة النقص والتبعية على اساس إعطاء الافضلية للفاعل بالنسبة للمنفعل .



اما عند ابن عربي فإنه إستمد المقولات المتداولة في عصره (الفاعل والمنفعل ) وافرغ هذه المفاهيم من مضامينها السابقة ليعيد بناءها على أساس إلغاء الأفضلية والتراتتبية .



وقد اعتمد ابن عربي في بنائه لمبدأ الأنوثة على مبادئ :





· مبدأ التثليث بدل مبدأ الهوية .





· انطلق من علم النكاح عوضًا عن التأمل .





· اعتمد على مبدأ المحبة كأصل للمعرفة والإيجاد بدلا من اعتماده على العقل .





هذا من ناحية مبدأ الانوثة عند ابن عربي أما من حيث الكتابة نفسها، فهي تنخرط في رقصها الانخطافي المؤنث ،عبر التأرجح الذي تلج حيزه باستدعائها لحميمية الأنثوية وفتنتها ، تنسكن بنوع من الكتابة البيضاء، المعتمة التي تتشظى في آثارها traces، في انمحاءاتها في صمتها، وفي اللامفكر فيه الذي تكتنزه ، تكتبه وتمحوه ، لتصير أثر الأثر trace d’une trace ، أو لتنوشم باستحالة الكتابة ، بنوع من الاشتغال الهرمسي ، الفعال في العمق الفاصل و الرابط بين حافتي ثنائية الجنسين في آن واحد Ie pli des deux sexes ، لأن خط الأنثوي ، يمر في ترحاله الباذخ بينهما.





بهذا المعنى يكون ابن عربي أحد القلائل الذين ورطوا الكتابة في مساءلة الأنثوي، والذين اندمجوا في تحقق الهدف الملغّز لفعل الكتابة والذي هو : اطلاق الصيرورات من قيودها ، déchainer les devenirs .





Marwa kreidieh





Marwa_kreidieh@yahoo.fr





المراجع :





· ابن عربي ، الوصايا ، مطبعة كرم ، دمشق ، سوريا ، 1958 .





· ابن عربي ، الفتوحات المكية ، دار صادر، د.ت بيروت، لبنان .





· ابن عربي ، فصوص الحكم ، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان 1980.





· ابن عربي ، عقلة المستوفز / من مجموعة رسائل ابن عربي ، دار الانتشار العربي ، بيروت، لبنان 2002 .





· أدونيس ، الصوفية والسوريالية ، دار الساقي، بيروت، لبنان، 1992.







· منصف عبد الحق : الكتابة والتجربة (نموذج محي الدين بن عربي)، منشورات عكاظ، الرباط ، 1988.







· Derrida, Eperons, Falmmarion/champs, 1987.





· Blanchot; la communaute, inavouable, Mnuit, . 1983, P.91





· The Mystical Philosophy of Muhyid-in Ibn Arabi , Ed. A.M.S Press, New York 1974 , p.41









[1] الوصايا ، ابن عربي، مطبعة كرم ، دمشق ، سوريا ، 1958 ، ص.4 .





[2] - منصف عبد الحق : الكتابة والتجربة (نموذج محي الدين بن عربي)، منشورات عكاظ، الرباط، ط1 1988، ص 198.





[3] - ابن عربي : الفتوحات المكية، دار صادر بيروت، ج3، ص 457.





[4] - ابن عربي : المصدر نفسه ، ج 3، ص 132.





الفتوحات المكيَّة ، ابن عربي ، دار صادر ، الجزء الأول ، ص. 2 – 3 .[5]





[6] أدونيس : الصوفية والسوريالية، أدونيس : الصوفية والسوريالية، دار الساقي، بيروت، 1992،ص166.





[7] Derrida, Eperons, Falmmarion/champs, 1987.p 35





[8] ابن عربي ، فصوص الحكم - دار الكتاب العربي 1980، بيروت ص 220ـ 218.





[9] Blanchot; la communaute, inavouable, Mnuit, . 1983, P.91





[10] الفتوحات المكيَّة ، مرجع سابق ،الجزء الأول ، ص.507





[11] عقلة المستوفز / رسائل ابن عربي ، ابن عربي ، ، ط1 ، دار الانتشار العربي ، بيروت ،لبنان 2002 ، ص.75





[12] حسب فلسفة ابن عربي فإن هذا التقابل لا يتعلق بذات الله بل بأسمائه ويتمثل عبر المراتب الأولى للوجود في الحضرة الثالثة .





[13] الفتوحات المكيَّة ، مرجع سابق ،الجزء الثاني ، ص.74 – 75 .





[14] The Mystical Philosophy of Muhyid-in Ibn Arabi , Ed. A.M.S Press, New York 1974 , p.41





[15] الفتوحات المكيَّة ، مرجع سابق ،الجزء الثاني، ص. 114 - 133